أغدا ألقاك ؟

كتبهاعبد المنعم الحازمي ، في 7 مايو 2008 الساعة: 21:22 م

 

 

-        لا شيء يزيل وحشة هذه المدينة إلا صوت ناعم يتفقدني ويمنحني الدفء في ليالي الوحدة الباردة .

-        صوت فقط ؟؟ أهذا منتهى أحلامك ؟؟

-        وهل أدركتُ هذا الحلم حتى أحلم بأبعد منه ؟؟

 

دار هذا الحوار في نفس مهند وهو يستعد للخروج لمكتبة جرير , كان  منشغلا بإصلاح هندامه ,  محتارا في تسريحة شعره .

قرر أخيرا  قبل أن يخرج أن يجعل تسريحة شعره إلى الأمام .. قال لنفسه مطمئنا : هكذا أبدو غير مبال بأحد .

هو يؤمن بالمقولة التي تقول :” اللامبالاة تحرش عاطفي أكثر خبثا من أن تعلن عن نفسها” .

-        هذه المرة يجب أن أنجح في إعطاء رقمي لإحداهن , فثلاث سنوات من التردد والخوف كافية تماما .

-        فعلا ! فلا شيء ينقصني .. إنني على الأقل أكثر وسامة من صديقي عصام الذي يعج هاتفه بأرقام الفتيات .

وهو في طريقه إلى المكتبة تفقد الورقة التي كتب فيها رقمه , إن حجمها مناسب تماما , ليست صغيرة جدا كما كانت في آخر مرة .

آخرة مرة كانت هي أول مرة يتجرأ فيها ويرمي رقمه , حدث ذلك بعد صراع محتدم بينه وبين نفسه , رمى الرقم بيد مرتعشة كيفما اتفق , ثم انتظر ما يقارب خمس ساعات آملا أن تدب الحياة في هاتفه باتصال أو رسالة , لكن شيئا من ذلك لم يحدث ,  قال له أصدقاؤه إن هذه المدة طبيعية جدا , لذلك عليك أن تنتظر مزيدا من الوقت , لكنه قرر أن يذهب إلى المكان الذي رمى فيه الورقة , ليجدها مرمية على الأرض .

 

ركن سيارته بحرص في الجهة الخلفية من المكتبة , فلو رأت الفتيات سيارته لبصقن عليه وعليها .

عند مدخل المكتبة لفت انتباهه مشهد طريف ,,

سائق آسيوي يلبس الزي السعودي الرسمي ويجلس في سيارته منتظرا .

ارتسمت على ثغره ابتسامة هازئة , قال في نفسه : هذه محاولة فاشلة لصرف الشباب عن مضايقة هذه العائلة , ولكن يحسب لرب هذه العائلة هذا المستوى المتقدم جدا من الغيرة والحرص .

 

توجه مباشرة إلى ركن الأدب والشعر والروايات ؛ فلطالما حلم بمصادقة فتاة أديبة متذوقة للشعر , يسقيها كؤوس الغزل كل ليلة , وتسقيه .

 

ماذا كان يقرأ ؟ كم من الوقت مضى ؟

هو نفسه لا يدري ! إنه فقط يعيد كتابا ويأخذ آخر متظاهرا بقراءته , مقلبا طرفه يمنة ويسرة .

بدأ أخيرا يشعر بالوقت , لقد مضى على وقوفه هنا أكثر من ساعة , ومرت بالقرب منه طيوف لا تنتهي من الفتيات ..ولكن واحدة منهن لم تحرك ساكنا.

بدأت التساؤلات تعصف به ,

-        هل ثمة مشكلة في مظهري ؟

اتجه إلى واجهة زجاجية , تفقد نفسه , لم ير ما يقلقه حيال مظهره .

-        هل رأت الفتيات سيارتي ؟

-   مستحيل !! فقد خبأتها بحرص .

قفز إلى ذهنه سؤال مخيف جدا ..

-        هل يعقل أن الفتيات قد أصبحن يعرفنني , ويعرفن أنني جبان , ولا يمكن أن أجرؤ على إعطاء رقمي حتى ولو طلبته إحداهن بصريح العبارة - كما حصل معي سابقا - ؟

……..

- لا لا لا , غير ممكن أبدا , هذه المدينة كبيرة جدا ولا يمكن أن يعرف الجميع عن خوفي .

- ولكنها ثلاث سنوات  يا صاحبي !!

- حتى ولو كانت ثلاث سنوات فهذا غير ممكن أبدا .

 

قطع تساؤلاته طيف فتاتين في ركن الأفلام الأجنبية .

قال لنفسه : لا بأس , فلديك خلفية جيدة عن هذه الأفلام تكفي لخلق مساحة مشتركة .

تناول بشكل عشوائي روايتين وديوان شعر , وقال لنفسه : سيكون جيدا أن أبدو متعدد الاهتمامات .. واسع الثقافة .

 

اقترب منهن وتظاهر بالبحث , مر بجانبه أحد بائعي المكتبة , فأخذ يسأله بلغة إنجليزية لا بأس بها , وصوت يكاد يكون عاليا :

-        هل لديكم فيلم (براد بت) الأخير ؟

-        لا .

-        ماذا عن (بريف ون) لـ (جودي فوستر)  ؟

-        هذا موجود .

-        لو سمحت أعطني نسخة منه , وابحث لي عن فيلم (الخطايا السبع)

       لـ (مورغان فري مان)  ,وأي فيلم لـ (توم هانكس) .

 

انصرف البائع , وعاد مهند للتظاهر بالبحث , واستراق النظر بين لحظة وأخرى .

وإذا به يلمح من بعيد شرطيا يتكلم مع رجل له لحية كثيفة , قال في نفسه : لا بد أنهم (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) , إنهم لا يتفاهمون أبدا , اللهم اكفنا شر هذه الليلة .

لم يمض غير قليل من الوقت وإذ بالشرطي يترك صاحبه ويتجه  نحو مهند…

سرت رعشة في داخله .

-        إنه قادم باتجاهي .

-        ولكن لماذا جاء بمفرده ؟ لم لمْ يأت الشيخ معه ؟

-        لا بد أنه لا يريد أن يثير ضجة في المكتبة .

-        ربما ليس قادما إليّ .

حاول أن يقنع نفسه بذلك لكنه لم يفلح .

حاول أن يعود لما بين يديه لكنه لم يستطع .

أصبح نظره مركزا على الشرطي , بدأ العرق يتصبب  من كل جزء في جسده .

لقد ارتسم أمامه منظر أبيه وهو يودعه قبل ثلاث سنوات , قال له : يامهند : عش حياتك طولا بعرض , و افعل كل ما أنت مقتنع بفعله , ولكن تذكر أن الوالد لا يُقتل في ولده , فلا تفعل ما يشين .

 

دارت الأرض من حوله .. قدماه لم تعودا قادرتين على حمله ..توكأ على رف قريب منه , وبدأ ي ستجمع أنفاسه .

 

لم يخرجه مما هو فيه إلا صوت الشرطي : السلام عليكم .

رد بصوت مهزوز : و..ووو …. وعليكم السلام .

مد الشرطي يده ليصافحه , فمد له يدا رطبة مرتعشة .

قال الشرطي : يا أخي أنا أبحث عن كتاب : مؤسس الحركة الكشفية في العالم . ولكن كل الباعة الذين قابلتهم لا يتحدثون العربية  , وقد رأيتك تتحدث مع أحدهم , ربما تستطيع مساعدتي , فأنا على عجلة من أمري , فلدي معسكر كشفي يبدأ بعد ساعة .

 

دقق مهند نظره في الشرطي , لم يكن شرطيا , لقد كان أحد طلاب الكشافة.

بعد لحظة ذهول  .. وضع بين يدي صاحبه ما كان يحمله من كتب , واستجمع ما بقي من نفْسِه وغادره صامتا  .

توجه إلى أقرب سلة نفايات وأخرج ورقة صغيرة من جيبه ورمى بها .

سمع صوت البائع يناديه ليعطيه الأفلام التي طلبها لكنه لم يجب .

جر خطواته إلى بوابة الخروج متجاهلا أحلامه , مغضيا على جرحه , منتهيا إلى خيبة أخرى .

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

13 تعليق على “أغدا ألقاك ؟”

  1. أحس أنه لابد أن أعلق

    لكن لا أدري ماذا أكتب

    لعله تسجيل مرور

    تحياتي

  2. رآئعة القصة ..

    سلمت يمنآك أخوي ..

    في إنتظار مايجود به قلمك..

    أتمنى لك التوفيق

    ..

    Mona la âme

    {منوش}

  3. خالد

    شكرا لك , مرورك جعل مني إنسان سعيدا

    منوش

    ليتك تشعرين بما أشعر به كلما عدت لأرى أنك كنت هنا

    كوني بالقرب دائما

  4. أبـو شـ هـاب قال:

    تسلم على القصة الرائعة ,,,

    يـــــــــا ….

    يا كل من أعطانا من وقته الكثير …. يا كل من أعطانا من فكره الرقي .

    يا كل من أعطانا من قلمه الجميل .

    يامن أزاح عنا ضيقا وهما …. و يامن أحيا بداخلنا بذرة امل

    و أتمنى لك التوفيق والسعادة دوماً ,

    ممكن سؤال ما تفرق بين الكشافة والشرطة ؟؟؟

    لــووووووووووووول

    سـ نكون بـ إنتظار جديدك !

  5. ولك تسلم على هيك طلة يا عقيد

    أبو شهاب

    أليس عجيبا أن تكون بجانبي ولا أستطيع أن أقول لك أنني سعيد بصداقتك ؟

    لأقولها لك هاهنا .. حيث ربما تعود لترى .. وربما لا تعود ؟

    سعيد أنا حقا

  6. رغم قصر القصه الا انها تحوي معاني واحداث متسلسه بشكل ممتع

    فسلم القلب والقلم

  7. ,وسلمت العيون التي تقرأ

    شكرا لك باتساع السماء .. على هذه الإطلالة الجميلة

  8. عبد العزيز الحازمي قال:

    قصة راااائعة جدا .. وواقعية .. وألفاظها راقية .. وترابط القصة وتسلسلها جميل جدا ..

    دمت أيها الرائع ..

  9. أنت الرائع يا عبد العزيز

    ووجودك هنا هو الروعة بعينها

    شكرا على إطرائك الذي أعتز به

    لك كل المودة

  10. إبتسمت هنا مسيو عبد المنعم

    وأنا أقرأك كأنى ألوك سحابة في فمي

    ممطر أنت كحرفك الممشوق ألق سردك أكثر من راائع

    كل الود لك

  11. السوسنة الجميلة

    مرورك كغيمة جميلة ,, تحمل رائحة المطر ,, وتبعث الشعور بالطمأنينة رغم كل خوف

    لك أخلص الود

  12. ابدعت لك وسام ابداع

    لك ورده بيضاء بنقاء الابداع ..

    فل تنير مدونتي

    http://bhoog.maktoobblog.com/

  13. ولروحك يا بهوج كل الورود ..

    وسأتشرف بزيارة مدونتك قريبا جدا إن شاء الله

    شكرا لمرورك اللطيف :)



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر